Everything About Our Mahares

   nombre de visiteurs

Mahares


حكايتي مع هذه المدينة لم تكن يوما مجرد صور وذكريات، حكايتي معها هي حكاية حياة، فأول كلمة نطقتها مازال صداها هناك، وأول خطوات مشيتها مازالت مطبوعة على تراب شوارعها، وأول دروس تعلمتها كانت في مدارسها، وأول الورود قطفتها من بين غاباتك. مدينتي الأم، مدينة المحرس التونسية، التي تبعد 30 كم عن ولاية صفاقس، مازالت متماسكة شامخة رغم مرور الزمن، ومازالت معطاءة لا تشبه بقية المدن.

في هذه المدينة أينما وليت وجهك تحاصرك الأزقة الجميلة، وحيثما حطت خطاك في زواياه غمرك التاريخ وأينما رميت ناظريك يغريك البحر بأمواجه الهادئة وغموضه.

انتصبت مدينة المحرس، حسب المؤرخين، على بقايا مدينة فينيقية قديمة تدعى "أوليس" بالقرب من مدينة رومانية اسمها "يونقا" أو "وونقة"، وسميت "محرس بن سالم" نسبة للقائد الأغلبي علي بن سالم، وتعني كلمة "محرس" الحراسة والمراقبة، وهي من أهم المحارس في تونس في عهد الأغالبة المسلمين أتباع عقبة بن نافع.

المحرس تعتبر مهدا لحضارات عدة الفينيقية والرومانية والأغلبية والفاطمية، وذلك لأهمية موقعها الاستراتيجي الرابط بين الطريق الممتدة على الشريط الساحلي بين تونس وسوسة وصفاقس وبقية مدن الجنوب الأبية، كما أنها مبنية على شاطئ البحر مباشرة، حيث كان القادة قديما يمرون منها في اتجاه تونس أو ذهابا إلى ليبيا، فاعتبرت عبارة مغاربية، وبحرها جعل منها عبارة عالمية تستقبل كل وفود العالم للتجارة فيها أو دخول الجنوب التونسي.

 فاحتضان البحر  الأبيض المتوسط شرقا وغابات الزياتين التي تحدها من جل الجهات جعلها لوحة مختلفة عن جميع المدن تمزج بين الطبيعة وقوة التاريخ وحيوية التغيرات السكانية فيها.

يذكر أن بقايا الآثار التي أهملتها الدولة التونسية، مازالت موجودة إلى الآن رغم أنه تم سرقة أهم معالمها، حيث أن أول مسجد "الجامع الكبير" في المحرس بني سنة 148 هجري،

كما أن قلعة يونقا الأثرية تعود إلى سنتي 574 و578 قبل الميلاد مثلما هو مذكور على حجارة مكتوبة باللغة اللاتينية وقد ضم حصن يونقا لوحات من الفسيفساء شبيهة بلوحات كنيسة صالونيك اليونانية.
تاريخ عظيم لهذه المدينة الصغيرة في حجمها العظيمة بإرثها وتراثها وأهلها، لم يجعل الحكومات المتعاقبة تفكر سوى في سرقة ما تبقى من آثار جميلة وافتكاك أراضي السكان المطلة على البحر وبناء مصانع الغاز والفسفاط التي أثرت على خصوبة أراضي المحرس.

ثم تكون النسيج القروي عقب التحولات التي شنها قادة الدولة الحفصية.

 ويذكر أن الحضارات التي مرت قد أثرت حتى على طقوس سكانها المسلمين السنة، حيث يمارسون عادات شيعية ليلة عاشورا كتزيين العيون بالكحل وشوي شحم الخرفان، وهي نتاج عن الحضارة الفاطمية، كما أن سكانها يطبخون أكلة "الشرمولة" اليهودية يوم عيد الفطر، وهذا دليل بسيط على انفتاح اهل هذه المدينة وتسامحهم مع جميع الاديان والحضارات بفضل مزيج الحضارات الذي يتكون في عقل كل "محرسي"..

ورغم الاهمال الحكومي لهذه المدينة المنتصبة على أنقاض مدن يونانية ورومانية وفينيقية والتي تعتبر معبرا لكل قادة تونس بدءا من النوميدي الأمازيغي سيفاكس وصولا إلى العثمانيين إلى الأغالبة، إلا أن أهالي المحرس إيمانا بتاريخ مدينتهم، انفتحوا على العالم من جديد وإذ أن مهرجان الفنون التشكيلية، منذ أكثر من ربع قرن، لباعثه الفنان الراحل يوسف الرقيق وكورنيش المدينة متحف مفتوح مغمور بلوحات وتصاميم واختراعات فنية لمشاهير من كل أصقاع العالم، مازالو شهودا على أن المحرس قبلة وقلعة من قلاع الفن التشكيلي وذاكرة حيوية بألوانها ورخامها وحجارتها وتماثيلها ولوحاتها كورشة عالمية للإبداع،

مدينتي المعطاءة لم تعانق فقط فناني العالم الوافدين إليها من كل أرجاء العالم، بل مدت يدها أيضا لتكون ثاني منطقة تونسية عام 1984، بعد قمرت، تحتضن الأطفال غير الشرعيين واليتامى وتعوضهم حنانا حرموا منه، وتكون لهم الأم والسند والولي..

هي باريس الصغرى كما يسميها أبناؤها، وهي عاشقة البحر الفضي المترنح على ضفافها، المحرس مدينة تونسية تغمرها الحياة والحركية، بلدة الفن ومضجع لعظماء رحلوا وتركوا الأجيال المتعاقبة تؤرخ للحضارة المحرس، وهي جزء لا يتجزأ من تاريخ قرطاج القديمة، فأغلب آثارها رفعت إلى متحف باردو، أهاليها فقط "المحارسية" شاهدون على التاريخ وهم فقط من جعل هذه المدينة أجمل وأعظم لما تزخر به من معالم وما تزخر به من عقول أيضا، رغم نكران الدولة التونسية لأهمية مدينة المحرس في أن تكبر وتزداد عظمتها لتتحول من حصن أثري وجزء من التاريخ الذي أهملته الحكومة التونسية إلى حصن سياحي يساهم في الاقتصاد الوطني ويشغل أبنائها الأفاضل.


 .. .رغم الإهمال "المحرس"من تاريخ "قرطاج" وقبلة "الفن التشكيلي"

مروى ذياب

مقال عن مدينة المحرس الغالية عن الكاتبة والصحفية مروى ذياب قربع